عبد القادر الجيلاني

118

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

العقوبات طلب ما لا يقسم وإن كانت مقسومة فالاشتغال بها شره وحرص وشرك من باب العبودية والمحبة الحقيقية ، لأن الاشتغال بغير اللّه عزّ وجلّ شرك ، وطالب الحظ ليس بصادق في محبته وولايته فمن احتال مع اللّه غيره فهو كذاب وطالب العوض على عمله غير مخلص ، وإنما المخلص من عبد اللّه ليعطي الربوبية حقها للمالكية والحقيقة ، لأن الحق عزّ وجلّ يملكه ويستحق عليه العمل والطاعة له بحركاته وسكناته وسائر أكسابه ، والعبد وما في يده ملك لمولاه كيف وقد بينا في غير موضع أن العبادات بأسرها نعمة من اللّه وفضل منه على عبده إذ وفقه لها وأقدره عليها ، فالاشتغال بالشكر لربه خير وأولى من طلبه من الأعواض أو الجزاء عليها ، ثم كيف تشتغل بطلب الحظوظ وقد ترى خلقا كثيرا كلما كثرت الحظوظ عندهم وتواترت وتتابعت اللذات والنعم والأقسام إليهم زاد سخطهم على ربهم وتضجرهم وكفرهم بالنعمة وكثرة همومهم وغمومهم وفقرهم إلى أقسام لم تقسم غير ما عندهم وحقرت وصغرت وقبحت أقسامهم عندهم وعظمت وكبرت وحسنت أقسام غيرهم وانحلت قواهم ، وكبرت سنهم وشتتت أحوالهم وتعبت أجسادهم وعرقت جباههم وسودت صحائفهم بكثرة آثامهم وارتكاب عظائم الذنوب في طلبها وترك أوامر ربهم فلم ينالوها وخرجوا من الدنيا مفاليس لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، لا شكروا ربهم فيما قسم لهم من أقسامهم فاستعانوا بها على طاعته . وما نالوا ما طلبوا من أقسام غيرهم ، بل ضيعوا دنياهم وآخرتهم ، فهم أشر الخليقة وأجهلهم وأحمقهم وأخسهم عقولا وبصيرة ، فلو أنهم رضوا بالقضاء وقنعوا بالعطاء وأحسنوا طاعة المولى لأتتهم أقسامهم من الدنيا من غير تعب ولا عناء ، ثم نقلوا إلى جوار العلي الأعلى فوجدوا عنده كل مراد ومنى ، جعلنا اللّه وإياكم ممن رضي بالقضاء ، وجعل سؤاله ذلك والفناء وحفظ الحال والتوفيق بما يحبه ويرضى . المقالة الرابعة والخمسون فيمن أراد الوصول إلى اللّه تعالى وبيان كيفية الوصول إليه تعالى قال رضي اللّه عنه وأرضاه : من أراد الآخرة فعليه بالزهد في الدنيا ، ومن أراد اللّه فعليه بالزهد في الآخرة ، فيترك دنياه لآخرته وآخرته لربه ، فما دام في قلبه شهوة من شهوات الدنيا ولذة من لذاتها وطلب راحة من راحتها من سائر الأشياء من مأكول أو مشروب وملبوس ومنكوح ومسكون ومركوب ، وولاية ، ورياسة وطبقة في علم من فنون العلم من الفقه فوق العبادات الخمس ، ورواية الحديث وقراءة القرآن